“برج بازل” .. البنك السري الذي يدير العالم

بنك التسويات الدولية
بنك التسويات الدولية

في تمام الساعة السابعة من مساء الأحد الأول من كل شهر – عدا شهري أغسطس وأكتوبر –  يجتمع 18 شخصاً في غرفة الاجتماعات “E” الموجودة داخل مبنى على هيئة برج دائري تطل نوافذه على محطة بازل المركزية للسكك الحديدية، بعد أن يقلهم أسطول من سيارات الليموزين من مطار زيورخ ليحضرهم إلى مدينة بازل، حيث مقر الاجتماع الذي يستمر ليومين.

الحاضرون هم من مجموعة من أقوى الشخصيات نفوذاً في العالم، والمناقشات والحوارات التي تدور بينهم تخضع لأعلى درجات السرية ولا يمكن أن تخرج خارج جدران هذا المبنى. كما يتمتعون في ذلك المكان بأعلى مستويات الأمان الممكنة. فالطوابق والغرف التي تعقد فيها هذه الاجتماعات لا تستخدم إلا حين يكون هؤلاء الرجال حاضرين.

ليس للسلطات السويسرية أي سلطة على ذلك المبنى أو المباني التابعة له، لأنه محمي وفقاً لمعاهدة دولية وقعت في عام 1987 توفر له نفس الحماية التي يتمتع بها مقر الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والسفارات والبعثات الدبلوماسية حول العالم. باختصار، تحتاج السلطات السويسرية إلى طلب الإذن إذا أرادت الدخول إلى المبنى الذي يوصف بأنه “غير قابل للانتهاك”.




لكن لماذا كل هذا؟ لماذا لا يسمح للصحفيين النظر إلى غرف الاجتماعات بهذا المبنى حتى بعد مغادرة الحاضرين لها؟ ما الذي يوجد بذلك المبنى يجعله بهذا القدر من الأهمية؟ في الحقيقية هذا البرج يمكن اعتباره دولة صغيرة.

بنك التسويات الدولية

هذا البرج هو مقر بنك التسويات الدولية. البنك المركزي للبنوك المركزية. المؤسسة المالية الأقوى والأكثر سرية في العالم. والحاضرون هم محافظو أكبر البنوك المركزية في العالم، والذين ينضم إليهم في اجتماع آخر يعقد في تمام الساعة 09:30 من صباح اليوم التالي في غرفة الاجتماعات “B” 12 شخصاً آخرين يمثلون بنوكاً مركزية أقل أهمية، ليصل إجمالي المجتمعين إلى 30 شخصاً.

تضم عضوية البنك 60 دولة، لا يجتمع ممثلوها معاً في نفس المكان إلا أثناء الغداء في غرفة الطعام الموجودة في الطابق الثامن عشر من البرج المصمم من قبل شركة الهندسة المعمارية السويسرية ” هيرتسوج آند دي ميورون”، ذات الشركة التي صممت استاد “عش الطائر” في بكين، الذي شهد افتتاح أولمبياد 2008.

لكن بعد الانتهاء من طعام الغداء وحين يحين موعد الاجتماع الثالث والذي يعقد في تمام الثانية ظهراً لا تتساوى الرؤوس. فلا يجلس على طاولة الاجتماع الذي يستمر عادة لثلاث ساعات إلا الـ18 محافظاً الذين حضروا اجتماع الأحد، بالإضافة إلى محافظي البنوك المركزية الخاصة بكل من تركيا وإندونيسيا وبولندا وجنوب إفريقيا وإسبانيا.

يسمح لمحافظي 15 دولة صغيرة مثل المجر ونيوزيلندا بالجلوس في الصف الثاني كمراقبين لا يحق لهم التحدث. أما محافظو بنوك الدول الأعضاء الأخرى والتي تصنف كدرجة ثالثة مثل مقدونيا وسلوفاكيا يمنعون من الحضور، وليس بإمكانهم لقاء نظرائهم من ممثلي الدول الكبرى إلا أثناء راحة الغداء. هذا هو البروتوكول.



وفي هذا التقرير سنستعرض معاً حكاية هذا البنك كما سردها الكاتب البريطاني “آدم ليبور” في كتابه الصادر في عام 2013 تحت عنوان “برج بازل: التاريخ الغامض للبنك السري الذي يدير العالم”.

اللعب على كل الحبال

تأسس بنك التسويات الدولية في عام 1930 بغرض تسهيل التعويضات التي أجبرت ألمانيا على دفعها للحلفاء بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى والتي بلغت قيمتها 31.5 مليار دولار وفقاً لمعاهدة فرساي الموقعة في عام 1919. وكانت فكرة إنشائه يقف وراءها كل من المحافظ السابق لبنك إنجلترا “مونتاجو نورمان” ورئيس بنك الرايخ الألماني “يالمار شاخت”.

ضمت قائمة الأعضاء المؤسسين للبنك كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا بالإضافة إلى تحالف من البنوك اليابانية. وعرضت حصة من أسهم البنك على بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، غير أن الولايات المتحدة رفضت المشاركة لخشيتها من أن يشكل هذا الكيان انتهاكاً لسيادتها الوطنية. لكن هذا لم يمنع تحالفا من البنوك الأمريكية في مقدمتها “جيه بي مورجان” من الاستحواذ على جزء من أسهم البنك.

في عام 1931 – أي قبل سنتين من تولي هتلر السلطة – أعلن المستشار الألماني “هاينريش برونينج” أن ألمانيا سوف تتخلف عند سداد أحدث دفعة من تعويضات الحرب. وخوفاً من الانهيار المالي الدولي الذي كان يلوح في الأفق، اقترح بنك التسويات الدولية إلغاء المدفوعات المستحقة على ألمانيا، وإقراضها 100 مليون دولار، وهو الاقتراح الذي وافق عليه القادة الأوروبيون.




لكن لم يمر سوى 3 أعوام قبل أن يعلن هتلر في عام 1934 توقف بلاده عن سداد ديونها، ليصبح الهدف من وراء إنشاء بنك التسويات الدولية موضع شك. لكن البنك رغم ذلك استمر في العمل، قبل أن يتضح لاحقاً أنه ساعد الألمان ووفر التمويل في الحرب العالمية الثانية.

في عام 1938، احتل الجيش الألماني تشيكوسلوفاكيا، وطالبت برلين بالذهب التشيكوسلوفاكي الموجود في خزائن بنك إنجلترا وبنك التسويات الدولية. كان هذا الذهب يمثل الأمل الوحيد لاستقلال تشيكوسلوفاكيا، ورغم ذلك وافق “نورمان” بصفته رئيساً للبنكين على مطالب النازيين رغم توسلات فرنسا له بأن لا يفعل.

في سعيه لتوضيح موقفه، قال “نورمان” إنه اضطر إلى إعطاء ذهب تشيكوسلوفاكيا إلى ألمانيا لأن الأولوية بالنسبة له كانت حماية بنك التسويات الدولية من التدخل السياسي حتى لو كان ذلك على حساب استقلال تشيكوسلوفاكيا وأمن بلاده. وبالفعل، استخدم الألمان هذا الذهب في تمويل حربهم ضد البريطانيين.

أكبر ممن تتم تصفيته

خلال الحرب العالمية الثانية أضافت ألمانيا ما قيمته 603.5 مليون دولار من الذهب إلى احتياطياتها، وكان أكثر من 80% من هذه الكمية منهوباً من البنوك المركزية للدول المحتلة. ولكن بنك التسويات الدولية الذي أصبح في ذلك الوقت بمثابة ذراع دولية لبنك الرايخ لم يعبأ بتلك الحقيقة وقَبِل الذهب النازي المنهوب وسجله باسم ألمانيا.

شمل الذهب الذي قبله بنك التسويات الدولية من الألمان الأسنان الذهبية التي اقتلعتها القوات الألمانية الخاصة من أفواه الأشخاص الذين قتلوا في معسكرات الاعتقال، والمشغولات الذهبية التي استولوا عليها من بيوت المواطنين في الدول المحتلة. لم يشكك البنك أبداً في مصدر هذا الذهب.

على إثر هذه الاتهامات، تم حل البنك مؤقتاً ولعدة أشهر خلال عام 1944 بعد أن دعمت الحكومة الأمريكية مقترحاً بتصفيته في مؤتمر “بريتون وودز”، حيث اعتقد الأمريكيون بسذاجة أن أنشطة المقاصة والتسويات النقدية التي يقوم بها البنك من الممكن أن تتولاها مؤسسة مثل صندوق النقد الدولي التي كانت قد أنشئت للتو.

لكن ما لم يكن يدركه الأمريكيون في ذلك الوقت هو أن أنشطة المقاصة والتسويات هي مجرد واجهة تختفي وراءها الأنشطة الحقيقية للبنك. ببساطة، كان البنك مؤسسة عابرة للقارات تضع وتنفذ في الخفاء الاستراتيجية الخاصة بأسواق النقد العالمية، وهي مهمة لا يمكن أن تنجزها وكالة شبيهة بالأمم المتحدة. لذلك عارض محافظو البنوك المركزية الكبرى الاقتراح الأمريكي الذي سرعان ما اختفى في هدوء.

بعد الحرب العالمية الثانية، ظهر بنك التسويات الدولية على الساحة العالمية باعتباره غرفة مقاصة رئيسية للعملات الأوروبية، ولكن خلف الكواليس كان للكبار أنشطة أخرى. فعلى سبيل المثال، عندما تعرض الدولار الأمريكي للهجوم في الستينيات رتب البنك عقود مقايضات ضخمة من المال والذهب بغرض الدفاع عن العملة الأمريكية. وهذه كانت مفارقة ساخرة، لأن الولايات المتحدة التي رغبت في تصفية البنك قبل عدة سنوات وجدت نفسها فجأة في أمس الحاجة إليه. ومن لحظتها أصبح الفيدرالي عضواً في البنك.

مايسترو النظام المالي العالمي

طوال أعوامه السبعة والأربعين الأولى –  1930إلى 1977 –  كان مقر البنك فندقا مهجورا مكونا من 6 طوابق يوجد بالقرب من محطة بازل للسكك الحديدية، ولكن في عام 1977 انتقل البنك إلى مقره الحالي والذي لا يبعد كثيراً عن المقر القديم. وتشمل المهمة الحالية للبنك على حد وصفه ثلاثة أهداف هي “خدمة البنوك المركزية في سعيها لتحقيق الاستقرار المالي والنقدي، وتعزيز التعاون الدولي في هذه المجالات، والعمل كبنك للبنوك المركزية”.

ولكن بعيداً عن البنوك المركزية، يساعد بنك التسويات الدولية في الإشراف على البنوك التجارية وذلك على الرغم من أنه لا يملك فعلياً أي سلطة قانونية عليها. وهذا يحدث من خلال لجنة بازل للرقابة المصرفية التابعة للبنك، والتي تقوم بتنظيم متطلبات رأس المال والسيولة لدى البنوك التجارية.

تُلزم لجنة بازل البنوك التجارية بحد أدنى لكفاية رأس المال يساوي 8% من مجموع الأصول المرجحة بأوزان المخاطر داخل وخارج الميزانية، بمعنى أن البنوك تستطيع أن تقرض للأفراد والشركات ما يعادل 12 ضعفاً تقريباً من رأسمالها، ولا يجوز أن تقرض ما يجاوز ذلك إلا بعد زيادة رأس المال.

نجح بنك التسويات الدولية في جعل نفسه ركيزة أساسية في النظام المالي العالمي. فبالإضافة إلى الاجتماعات المهمة التي أشرنا إليها، يتبع البنك 4 من أهم اللجان الدولية التي تتعامل معها البنوك العالمية وهي: لجنة بازل للرقابة المصرفية ولجنة النظام المالي العالمي (CGFS) ولجنة أنظمة المدفوعات والتسويات (CPSS) ولجنة “إيرفينج فيشر” والتي تتعامل مع الإحصاءات الخاصة بالبنوك المركزية.

اعتباراً من عام 2013، يمتلك بنك التسويات الدولية ما مجموعه 119 طناً مترياً من الذهب، ليأتي بذلك في المرتبة الثلاثين في ترتيب الكيانات صاحبة أكبر الاحتياطيات العالمية من المعدن الأصفر، ومتجاوزاً دولاً مثل كندا والبرازيل.

للكبار فقط؟

عضوية بنك التسويات الدولية امتياز وليست حقاً. حيث إن مجلس إدارة البنك وحده هو من يقرر من يقبل من البنوك المركزية ومن لا يقبله. ولكن البنك يشير إلى أن الأمر يرجع إلى حجم مساهمة البنك المتقدم بطلب العضوية في التعاون النقدي والنشاط المصرفي الدولي.

في عام 1996، قبل البنك عضوية كل من المملكة العربية السعودية والصين والهند وروسيا. وفي قارة أفريقيا، لا يوجد من يتمتع بعضوية البنك سوى الجزائر وجنوب إفريقيا. وتجدر الإشارة إلى أنه تم رفض طلب العضوية المقدم من نيجيريا على الرغم من امتلاكها لثاني أكبر اقتصاد في القارة السمراء.

وفي توضيحه لسبب رفض دول مثل باكستان ونيجيريا رغم أنه تم قبول دول صغيرة جداً مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا ومقدونيا وسلوفاكيا، أشار البنك إلى أن البنوك المركزية للدول المتقدمة بطلب العضوية يجب أن تلتزم بمعايير صارمة تتعلق بالحوكمة، وحين تطبق البنوك الوطنية في نيجيريا وباكستان هذه المعايير سيتم إعادة النظر في طلبات العضوية المقدمة من قبلها.

أخيراً، لا يوجد لأي دولة بعينها سيطرة على بنك التسويات الدولية الذي لا يدين بالولاء إلا للنظام المالي العالمي. ففي ذروة الحرب العالمية الثانية، كان رئيس البنك أمريكياً ومديره العام كان فرنسياً ومساعده كان ألمانياً يمضي في نهاية كل مراسلاته “يحيا هتلر”، في حين كان الأمين العام للبنك إيطالياً. فداخل هذا المبنى لا تأثير للجنسية.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *