الركود العالمي القادم.. متى وكيف سيقع؟ ومن أين سينطلق؟

تسارع نمو الاقتصاد العالمي خلال العام الماضي، بالتزامن مع الاتجاه الصعودي القوي لأسواق الأسهم وبعض السلع الأساسية، حتى أن وول ستريت سجلت مستويات قياسية متلاحقة على مدار الأسابيع الأخيرة -قبل أن تبدأ تصحيحًا في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول-، تمامًا كما فعلت في يناير/ كانون الثاني الماضي حينما بدت الأمور على ما يرام قبل الهبوط الحاد في فبراير/ شباط.

سير الأمور على ما يرام ليس دائمًا مؤشرًا إيجابيًا، أو كما قال الملياردير “ديفيد روبنستين” خلال فعاليات مؤتمر “دافوس” قبل 9 أشهر، إن أكثر ما يثير القلق والخوف هو اعتقاد أغلب الناس أنه لا توجد مشكلة أو خطر ركود محتمل، فدائمًا مع هذه الثقة يقع شيء ما خطأ.

“روبنستين” ليس المستثمر العالمي الوحيد الذي يعتقد أن الركود الاقتصادي بات وشيكًا كما قال، حيث لاقت تصريحاته صداها لدى مؤسس أكبر صندوق تحوط في العالم “بريدج ووتر أسوسيتس” “راي داليو” الذي يرى أن الدورة الاقتصادية في الولايات المتحدة اقتربت من نهايتها، وهو ما يعني اندلاع أزمة مالية جديدة، مؤكدًا أنه ينبغي التفكير جيدًا في شكل الانكماش القادم.. فهل من الصحيح أن الركود قادم لا محالة؟ ومن أين سينطلق؟

مم الخوف؟

النمو المتسارع وارتفاع الأسهم ليس كل ما يتعلق بالأخبار الجيدة عن العام الماضي، فالتجارة العالمية تعافت وبدأت مسار النمو، والاقتصاد الأمريكي توسع بشكل ملحوظ، والمخاوف بشأن انزلاق الصين إلى الانكماش هدأت، وحتى منطقة اليورو انتعشت.

لكن كما تمت الإشارة سابقًا، فإن سير الأمور على ما يرام، لا يعني بالضرورة أنها ستظل هكذا، وقد شهد هذا العام مناسبتين انخفضت فيهما الأسهم بشكل حاد، الأولى في فبراير/ شباط والثانية في أكتوبر/ تشرين الأول، وكلاهما كانت بدايته من وول ستريت وانتقل الذعر إلى باقي الأسواق.

بحسب “الإيكونوميست” فإن معضلة الاقتصاد العالمي في 2018 هي الزخم غير المتوازن، ففي الولايات المتحدة، ساعدت التخفيضات الضريبية في رفع معدل النمو الفصلي على أساس سنوي أعلى 4%، وهبطت البطالة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1969، لكن ذلك لم يكن كافيًا لاحتواء المخاوف التي دفعت صندوق النقد الدولي إلى خفض توقعاته للنمو العالمي.

تتباين توجهات السياسات النقدية من بلد لآخر، فبينما رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة ثماني مرات منذ ديسمبر/ كانون الأول عام 2015، ما زال البنك المركزي الأوروبي بعيدًا عن خطوته الأولى في هذا الطريق، أما اليابان فمعدلات الفائدة لديها تظل ضمن النطاق السالب، فيما خففت الصين سياستها لتحفيز النمو بالتزامن مع الرحب التجارية المشتعلة مع أمريكا.

سياسات التيسير النقدي ستثير جلبة سياسية بغض النظر عن الحجج الاقتصادية، خاصة في منطقة اليورو، وهو يجعل العالم الغني غير مهيأ للتعامل مع أي ركود معتدل حتى، ويرجع ذلك جزئيًا إلى خلو جعبة صانعي السياسات من الخيارات جراء حربهم مع الانكماش الأخير.

على جانب آخر يقول الملياردير “داليو”: إذا تسارعت وتيرة رفع الفائدة الأمريكية، فيمكن لذلك أن يضر بأسعار الأصول، وهو ما قد يشعل اتجاهًا هبوطيًا في الأسواق يتبعه فترة من الركود.

في استطلاع رأي أجرته الرابطة الوطنية لاقتصاديي الشركات في الولايات المتحدة، قال 41% من الاقتصاديين إن أكبر خطر هبوطي يكمن في الحرب التجارية التي أشعلها “دونالد ترامب” بين واشنطن وبكين، فيما رأى 18% أن أسعار الفائدة المرتفعة ستكون هي السبب، وتوقع 18% أن يكون انهيار الأسهم هو الدافع وراء الانكماش القادم.

ما الأدلة؟

بحسب “فوربس”، في الوقت الحالي، ما زال المستثمرون يتجاهلون إلى حد كبير الاضطرابات التجارية المحتمل تصاعدها ومخاطر ارتفاع أسعار النفط، لكن من المتوقع أن تواصل واشنطن الضغط على إيران والصين، الأمر الذي سيجعل 2019 أصعب من العام الحالي ويزيد الاضطرابات الجيوسياسية.

بدلًا من الاعتماد على إشارات سوق الأسهم في التوقع بالانكماش القادم، قالت المجلة الأمريكية، إنها لجأت إلى ثلاثة مؤشرات قوية للغاية في التنبؤ بالركود، والتي نجحت في توقع آخر سبع حالات ركود عند دخولها إلى نطاق الإجهاد.

أولًا، يعد التغير في المؤشر الرئيسي للاقتصاد التابع لـ”كونفرنس بورد” معبرًا جيدًا عن دورة الأعمال وصحة الاقتصاد، وثانيًا، فإن التراجع في عائدات سندات الخزانة لأجل 10 سنوات و3 أشهر، خاصة عند تحولها للنطاق السالب، مؤشر قوي للتنبؤ بالركود.

أخيرًا، فإن تتبع حركة معدل الفائدة على الأموال الفيدرالية في الولايات المتحدة أعلى أو أقل من السعر المحايد (المعدل المفترض أن يحافظ على نمو الاقتصاد عند المستوى الأمثل) هو مؤشر آخر مهم مرتبط بسياسة الاحتياطي الفيدرالي.

إذا تجاوز المعدل المستوى المحايد، فمن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى إبطاء النمو، وسيقود في النهاية إلى الركود، أما إذا هبط دون السعر المحايد، فيمنح ذلك الاقتصاد عادة مساحة للتوسع.

متى الميعاد؟

خلال فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا العام، توقع “روبنستين” وقوع الركود خلال العام الجاري أو القادم، فيما أشار “داليو” إلى أنه قد يقع في غضون سنتين من الآن.

وفقًا لـ”بلومبرج” فإن 10% من الاقتصاديين المهتمين بقطاع الأعمال في الولايات المتحدة يتوقعون بدء الركود العام القادم، فيما يرى 56% أنه سيكون في عام 2020، ويعتقد 34% أنه سيقع في 2021 أو بعد ذلك.

لكن بحسب تقرير “فوربس”، وبالنظر إلى المستويات الحالية لمؤشر “كونفرنس بورد” الرئيسي للاقتصاد ومنحنى العائدات وموقف الاحتياطي الفيدرالي، يبدو أن الركود القادم لن يحدث قبل عام 2020.

مع ذلك فإن التنبؤ بالركود ليس بالأمر البسيط، لذا على المستثمرين أن يكونوا أكثر حذرًا، وألا يتجاهلوا التوترات الجيوسياسية التي يمكن أن تعرقل النمو الاقتصادي في وقت أقرب من المتوقع، خاصة في ظل تبادل التهديدات بين قطبي الاقتصاد العالمي بتصعيد الحرب التجارية إلى النطاق الشامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.